كونتي.. "فنان الباروك" الذي ضل طريقه إلى الملاعب



يطلق مصطلح باروك على أشكال متنوعة من الفن خرجت من ايطاليا لتغزو شتى أنحاء أوروبا في الفترة ما بين عامي 1600 و1750.

وتميز عصر الباروك بنهضة واسعة في شتى الفنون، من موسيقى ونحت وعمارة ورسم وأدب.

وعرفت الثورة ضد الجمود والنمطية طريقها إلى الفنون في عصر الباروك، ليتم تغيير الكثير من المفاهيم والأساليب التي ميزت عصر النهضة، وأصبح التعبير الفني أكثر إثارة وغلب عليه الطابع الدرامي.

كما كان الفن في العصر الباروكي كالبلسم الذي يداوي جراح ايطاليا، فقد كان الإيطاليين يرغبون في تناسي مرارة الحروب البغيضة التي أنهكتهم في هذه الحقبة الزمنية، ووجدوا ضالتهم في الفنون الجميلة التي حرصوا على تطويرها، من أجل إخراج مقطوعات فنية خالدة تتوارثها الأجيال.

وفي كرة القدم الإيطالية، لن تجد في عصرنا الحالي من ينطبق عليه لقب "القادم من عصر الباروك" أفضل من أنطونيو كونتي، لما لا وهو الرجل الذي يتفنن في مداواة الجراح أينما حل.

فعندما ضاقت السبل بالسيدة العجوز في أعقاب قضية كالتشيوبولي، وعاش يوفنتوس سنوات عجاف لم يعانق خلالها لقب سكوديتو، جاء الفرج بقدوم كونتي على رأس الإدارة الفنية، ونجح الرجل في بناء فريق من العدم، ليعيد للسيدة العجوز هيبتها ويتوج بلقب الدوري في 3 مواسم متتالية.

ثم قرر أنطونيو الرحيل عن قلعة تورينو، ليشد الرحال إلى الساحة الدولية في عام 2014، ويخلف شيزاري برانديللي على مقعد الإدارة الفنية لمنتخب ايطاليا، بعد أن عانى المنتخب من فترة مريرة توجها بالخروج من دور المجموعات في مونديال البرازيل.

وخلال عامين فقط، نجح كونتي في مداواة الجراح أيضاً، وواصل ممارسة هوايته في البناء من العدم، ليحقق نتائج مبهرة بفريق يعاني من ندرة النجوم، ونجح في التأهل إلى ربع نهائي يورو 2016 قبل أن تعانده ركلات الترجيح أمام منتخب ألمانيا حامل لقب المونديال.

ومرة أخرى قرر كونتي خوض تجربة مختلفة، ليقبل التحدي في البريميرليغ، وكانت الوجهة هذه المرة صوب العاصمة لندن، ليبدأ مسيرة تصحيح جديدة رفقة البلوز تشلسي، بعد أن عانى الفريق الأمرين واستقر به الحال في المركز العاشر في جدول ترتيب الدوري الإنكليزي موسم 2015-2016.

ولم تختلف نتائج كونتي كثيرا عن سابق تجاربه، وخلال موسمه الأول نجح في إعادة الهيبة للبلوز، وأعاد لقب البريميرليغ إلى خزائن الفريق، رغم ندرة العناصر والنجوم، وهو ما قرر أنطونيو أن يكون نهجه السرمدي في مسيرته التدريبية.

ربما يكون الرجل واحدا من رواد مدرسة الإنجاز بأقل العناصر المتاحة، ليس لما يمتلكه من قدرة على شحن معنويات لاعبيه فقط، ولكن لمهارته في تطوير أداء تلك العناصر واخراج أفضل ما فيها، مهارة فريدة في تنمية الوعي التكتيكي لتشكيلته، وهو ما يصنع الفارق معه أينما ذهب، ومع اختلاف المدارس الكروية التي يتحداها.

ربما تقفز إلى الأذهان عند ذكر مصطلح "الباروك" فكرة الشعر المستعار "باروكة"، وهي واحدة من سمات كونتي أيضاً، الذي اشتهر بشعره المستعار، الذي لجأ اليه ليصلح ما أفسده الدهر في رأسه.

قد يبقى الصلع من أبرز علامات الزمن ونحته في تفاصيل البشر مع تقدم العمر، ولكن تظل انجازات البشر هي العلامة الأهم في كتب التاريخ التي ستروي ابداعاتهم لأجيال قادمة، مثلما دونت ابداعات عصر الباروك في صدر الابداع البشري، ومثلما يطمح أنطونيو أن تُروى سيرته في ملاعب كرة قدم في سنوات مقبلة.

ليست هناك تعليقات